مداخلة حول

دور الإعلام الاجتماعي في رصد الانتهاكات، توصيات ونصائح

محمود الزنط – استشاري الاعلام الاجتماعي والمناصرة

تقديم

إذا كنت تبحث/ي عن سبب كتابة هذه المداخلة أو الاهتمام الكبير الذي تحظي به شبكات التواصل الاجتماعي في فلسطين وخارجها فهناك الكثير من حلقات النقاش ،المؤتمرات ،الدراسات ،الحوارات حول هذه المنصات الأمر بسيط جداً فقط يمكن أن نجيب عن سبب وجود 4.4 مليار مستخدم لشبكة الانترنت حول العالم وفق أحدث التقارير التقنية  ،منهم 3.3 مليار تقريباً يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي الأمر إذاً يتجاوز فكرة ظاهرة أو تقنية هنا أو هناك .

في عالمنا اليوم تُشكل شبكات التواصل الاجتماعي جزء أساسي من حياتنا اليومية وارتباطاً متزايداً في تكوين السلوك الشخصي أو العمليات التجارية ،الحكومية ،الحراك الاجتماعي أو التعبير عن المشاعر. كل يوم يزيد ارتباطنا بشبكات التواصل الاجتماعي التي تجاوزت جغرافيا معينة أو طبقة اجتماعية ما ، لقد اجتازت قوة السياسية أو الدولة لتشكل أكبر التجمعات فهمي أكبر القارات فهناك على سبيل المثال 2.2 مستخدم نشط في شبكة فيسبوك شهرياً و 1.4 مستخدم نشط يومياً فقط في فيسبوك وهناك خمس أعضاء جدد في العالم الأزرق كل ثانية  لكم أن تتخيلوا كيف ينمو هذا العالم الافتراضي ويتحرك بإتجاه الاستحواذ على كل ما حوله من أدوات .

أنت تعبر عن مشاعرك  رأيك منتجك بمنتهى البساطة وكذلك الأمر تستقبل وترى الكثير من آراء الآخرين ومنتجاتهم مواقفهم وتعليماتهم عند وجودك في أحد منصات التواصل ،وكذلك يمكن أن ترى كيف يرحل يومياً الكثير من عمالقة السياسية والرأى وحتى المؤسسات الاعلامية الكبيرة والحكومية أيضا لتجد لها موطئ قدم  في تلك الشبكات وتبدأ بارسال مواقفها ومنتجاتها الجميع إذاً هنا في تلك الشبكات السياسي والحكومة والاعلامي والطاهي والمؤسسات الأهلية والفنان والباحث عن عمل وصانع المعرفة .

المنافسة شرسة لكسب ثقة سكان تلك الشبكات فكل يوم  يعمل آلاف منشئي المحتوى والمبدعين في عرض رسائلهم كل يوم رسالة بوست ،تغريدة ، فيديو أو تدوينة بقالب جديد بمحتوى مختلف بطرق ابداعية  العالم يسير بسرعة كبيرة ويحاول يومياً أن يبتكر الجديد جهد متسارع و كبير عبر هذه الشبكات يثبت أنها قادرة على توليد شعور لتحب شيئ ما أو تكرره أو تدفعك لأن تشتري سلعة أو خدمة في أي مكان ، وكما نجحت تلك الشبكات أن تكون أدوات مؤثرة وسباقة في التعبير أو التأثير لتغيير سلوك معين و القضاء على ظاهرة أو رفع وعي جمهور ما تجاهها الأمر ليس منتجات أو تعليمات فقط فهي أداة مزدوجة التأثير ،أنت متلقي وفي نفس الوقت صانع للمحتوى وناقل للفكرة سواء كنت فرد أو جهة منظمة أو جماعة فشبكات التواصل تتسع للجميع .

 

شبكات التواصل ورصد الانتهاكات

الطفرة في الاستحواذ والاستخدام في العالم والعالم العربي وفلسطين واضحة في زيادة حصة شبكات التواصل من سلوك المواطنين واهتمامهم  وهي فرصة أيضا إذا ما تطرقنا إلى التعبير عن الرأي أو الحديث عن ظاهرة معينية أو سرد قصة ما  وايصال أفكارنا سواء على المستوى الداخلي أو الى الآخر في أي مكان في العام سواء كنا متواجدين كأفراد أو مؤسسات باختلاف مستوياتها.

المنصات الاجتماعية نسفت فكرة الرسالة أو الفكرة الواحدة الموجهة أو الاداة الجامدة ذات الاستخدام الواحد  فاليوم يستطيع أي مستخدم أن يقيم الواقع ويسلط الضوء على أي قضية أو انتهاك ويبدي رأيه او يوثق ذلك  فقط من خلال هاتفه المحمول من خلال الصورة ،فيديو أو النص .

لقد شكلت منصات التواصل الاجتماعي فرصة كبيرة للمدافعين عن حقوق الانسان والنشطاء وحتى المواطنين العاديين في المشاركة في رصد وتوثيق الانتهاكات المعلقة بالمواطن سواء على المستوى السياسي أو الامني أو على مستوى الخدمات العامة والاساسية في مجتمع ما ، ما حققته الشبكات هنا يرتبط بدروها وطبيعة تكوينها فالاتصال لم يعد باتجاه واحد وصانع المحتوى لم يعد واحد فنحن نرى كل يوم الكثير من الصور أو مقاطع الفيديو التي تعرض موقف ما أو تظاهرة هنا أو اعتداء لاجهزة الامن أو قوات الاحتلال أو شبهة فساد في جانب معين كل يوم يكبر استخدامنا متابعتنا وكذلك الامر كل يوم نرى المزيد من تلك الانتهاكات تعرض على شبكات التواصل بشكل مفتوح .

هذا يعطينا اشارة تنبيه لمدى مساهمة تلك الشبكات في مجال حيوي وهو رصد وتوثيق الانتهاكات و هي لا تتنهي في عالمنا العربي وفي فلسطين أيضاً فنحن نواجه احتلال عنصري بممارساته ونعاني من افرازات انقسام سياسي في الأراضي الفلسطينية يلقي بظلاله على الواقع الاقتصادي والسياسي والأمني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.

إذاً شبكات التواصل الاجتماعي اليوم هي شريك في رصد الانتهاكات التي يتعرض لها الانسان في كل مكان في هذا العالم وتساهم بشكل كبير في اشراك الجميع في تلك العملية وتوفر التقنيات البسيطة لتحقيق ذلك  وهذا انعكس  أيضاً على أداور المدافعين والمنظمات الحقوقية بشكل ايجابي لانها ببساطة ساهمت في تسهيل وصولهم للمعلومة والحقيقة في الكثير من الأحيان وعنصر هام هنا أنها لم تعفي أحد من دوره ومسئوليته فالمستخدم العادي اليوم الذي يحتفل بيوم ميلاده عبر شبكات التواصل هو ذاته الذي ينقل اعتداء أو اعتقال أو هدم منزل أو حادثة تحرش على نفس الشبكة وبنفس الهاتف المحمول .

ماذا تحقق الشبكات في رصد الانتهاكات ؟

تعتبر عملية توثيق واقع حقوق الإنسان والحريات  جهداً مركباً وشاملاً، يهدف  بجوهره إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيزها ونشر الوعي بها، كما ويهدف إلى كشف الحقائق تمهيداً لمساءلة ومحاسبة المنتهكين وإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة، كذلك يهدف التوثيق إلى إثبات وقوع أنماط من الانتهاكات ما يعني وقوف سياسة مدروسة خلف تلك الانتهاكات، فالتوثيق الذي يثبت وقوع انتهاك ما في عدة أماكن وبصورة متكررة يساعد على إثبات أن الانتهاك هو نمط وليس حدثا معزولا لأي سبب كان.

وبطبيعة الحال فان بناء أرشيف حول حالة حقوق الإنسان من أهم أهداف التوثيق، بحيث يتم استخدام هذا الأرشيف فيما بعد لإعداد دراسات، مداخلات، وأبحاث، ناهيك عن كون ملفات الجرائم التي تم إعدادها من خلال عملية توثيق مهنية قد يتم اللجوء لها ولو بعد مرور سنوات طويلة بعد حدوث الانتهاك.

وعلى الرغم من أنه في كثير من الأحيان يصعب تصور إمكانية محاسبة مرتكبي الجرائم بعيد وقوعها، إلا أن التجربة التاريخية أثبتت إمكانية ملاحقة ومحاكمة بعض مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة ولو بعد حين، ومن هنا فإن عملية التوثيق التي تجرى بشكل مهني تشكل القاعدة الذهبية لعمل حقوق الإنسان.

وفي هذا الاطار و وفق ما سبق فان شبكات التواصل الاجتماعي بنشطاؤها أدواتها تسهم في توثيق  واقع حقوق الانسان وتوثيقه وفق مجموعة من الأدوار  أو المستويات من أبرزها:

  • الرصد : فهمي تساهم في مراقبة الميدان وترصد التغيرات بشكل لحظي في أي جانب من الجوانب الأمر الذي يساهم في عملية الرصد المبكر للانتهاكات .
  • التوثيق : فهي توفر ارشيف غني ودائم غير قابل للضياع بوسائط مختلفة من صور وفيديو يساهم في بناء أرشيف حالة حقوق الانسان بشكل تفاعلي .
  • التفاعل : فهي توفر مساحة مرنه لقياس رأي الجمهور والنخب وتقيمهم لواقع الانتهاك وأبعاده بدون اللجوء لتفيذ لقاءات أو اجتماعات وورش عمل حول ذات القضية .
  • المساءلة : يسهم فضح الانتهاك في الاسراع في خلق ردة فعل من المنتهك سواء كان جماعة أو جهاز حكومي وهذا بدوره يسهم في معالجة تلك الانتهاكات بشكل أو بآخر .

ما هو واقع النشطاء والسلوك على شبكات التواصل ؟

الشبكات كما ذكرنا لها اهمية كبير في دعم حالة حقوق الانسان ومساحات اخرى ايجابية وهذا ما يعمل على تحقيقه العديد من النشطاء والفاعلين في هذا المجال في العالم وفلسطين ولكن هل بهذه البساطة بالتأكيد لا هذه الحرية لا تبدو مطلقة فبحسب آخر تقرير لـ”فريدوم هاوس”، وهي منظمة حقوقية أمريكية حول حرية الانترنت. فقد جاء في التقرير الذي شمل تقييم 88% من مستخدمي الانترنت في العالم، أن 35% منهم لا يتمتعون بالحرية المطلقة، مقابل 29% لديهم حرية جزئية و24% يتمتعون بالحرية الكاملة. وأشار التقرير إلى أن حرية الانترنت تراجعت للعام السادس على التوالي بسبب ازدياد عدد الحكومات، التي تستهدف تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي، في خطوات للحد من الانتشار السريع للمعلومات، تحديداً خلال التظاهرات المناهضة للحكومة. ولم تسجل إلا 14 دولة فقط تحسناً إجماليا وكا شملت الدراسة دول المنطقة العربية الى تواجه تحديات كبيرة على مستوى حرية التعبير في المنطقة العربية .

وشدد التقرير على أن القيود على شبكات التواصل الاجتماعي، وأدوات التواصل الإلكترونية، هي تهديد واضح لحق المستخدمين الأساسي، بالنفاذ إلى الانترنت لا سيما أن مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، كان قد صادق على قرار تاريخي في يوليو 2016، لتعزيز وحماية حقوق الإنسان على شبكة الانترنت، باعتبار ذلك حقاً من حقوق الإنسان. وطالب القرار الدول والهيئات الأخرى بمنع التشويش والإغلاق المتعمّد لخدمات الإنترنت.

اذاً الشبكات الاجتماعية أظهرت صراعاً من نوع آخر مع أنظمة الحكم في العالم أنت تتحدث ولكن هناك من يراقبك ويحاول التضيق عليك الأمر هنا نافذة مفتوحة ولكن هناك من يحاول أن يغلقها سواء كانت أنظمة حكم أو تحدي من نوع آخر فهناك من يستغل هذه النافذة لنشر العنف أو التطرف مثلاً يضم آخرين لهم دوافعهم و أسبابهم للتواجد على هذه المنصات

وفلسطنياً ووفق تقرير الهئية المستقلة لحقوق الانسان للعام 2018 سجلت الهيئة ارتفاعًا ملحوظًا في عدد انتهاكات الحق في الحرية والأمان الشخصي للمواطنين، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تضمنت الشكاوى (1721) ادعاء بانتهاك الحق في الحرية والأمان الشخصي، بما يشمل (808) حالات احتجاز تعسفي من مجمل انتهاكات الحق في الحرية والأمان الشخصي .

وفي ذات السياق اعتبر القرار بقانون رقم (16) لسنة 2017 بشأن الجرائم الإلكترونية، تهديدًا حقيقيًا للحق في حرية الرأي والتعبير والحق في الخصوصية، ولحرمة الحياة الخاصة للمواطنين، ومخالفة جوهرية للقانون الأساسي المعدل، وللاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها دولة فلسطين. وقد تلقت الهيئة (67) شكوى، بواقع (67) انتهاكًا مست بحرية الرأي والتعبير، (37) شكوى منها في الضفة الغربية و (30) شكوى في قطاع غزة. توزعت الشكاوى الواردة في الضفة الغربية على النحو الآتي: (19) شكوى تتعلق بحرية الصحافة والإعلام، منها (3) شكاوى تتعلق بحرية النشر والبث، و(18) شكوى بواقع (18) انتهاكًا حول استخدام مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. وفي إطار انتهاك الحريات الصحافية، رصدت الهيئة توقيف أو حجز حرية (21) صحافيًا في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، جاء عدد منها على خلفية الانقسام السياسي، وقد ألقت هذه الاعتقالات التي مست بحرية الرأي والتعبير بظلالها السلبية على العاملين في المجال الإعلامي، وشكلت هاجسًا للعديد منهم، حال دون قيامهم بنقل الأحداث بحرية؛ وذلك خوفًا من الملاحقة والاعتقال وهذا مؤشر خطير  حول حجم التديق الذي يتعرض له النشطاء والمواطنين والاعلاميين ومرتادي شبكات التواصل الاجتماعي  في ممارسة نشاطهم الرقمي .

وفي اتجاه أخر فلسطنياً فنحن جميعا نواجه انتهاكات يومية من قبل الاحتلال الاسرائيلي يستهدف نشاطنا الرقمي وطبيعة وجودنا كفلسطنيين فنحن على سبيل المثال هناك  منشور تحريضيّ كلّ 66 ثانية وأنّ عدد المنشورات التي تضمّنت دعوة لممارسة العنف وتعميم عنصريّ وشتائم ضد الفلسطينيّين كان في 2018 474،250 منشورًا ( في 2017 كان العدد 445,000)، وكذلك بأنّه 1 من أصل 10  منشورات عن العرب تحتوي على شتيمة أو دعوة لممارسة العنف ضد الفلسطينيّين (في 2017 كان 1 من أصل 9). وذلك وفق تقرير مؤشّر العنصريّة والتحريض في الشبكات الاجتماعيّة الإسرائيليّة 2018

حرية الرأي ورصد الانتهاكات ودعم الحالة الحقوقية  والمنصات الاجتماعية لها علاقة مركبة ولكن يجب التأمل جيداً فيما كفلته جملة حقوق الانسان والتحديات التي يواجهها هذا الحق عبر الشبكات الاجتماعية من أنظمة الحكم والقيود التي تفرضها وتطرقنا لها سابقاً و ونقطة اخرى هي صعوبة ضبط سلوك المستخدمين بحيث يحفظ على حريات الآخرين وعدم استخدام تلك المنظات لبعض الأشرار في هذا العالم الأمر هنا يشغل بل الكثيرين ويفرض استحقاقات على الكثير من المبادرين والجماعات والهيئات بإتجاه دور أكبر لتعزيز الوعي بالممارسات الأفضل وتقنيات بناء الخطاب المحايد البعيد عن التعصب والعنف وتعزيز تقبل الآخر .

ماذا نريد لتعزيز دور الاعلام الاجتماعي في رصد انتهاكات ؟

لما نتحدث عن قوة أدوات الاعلام الاجتماعي وقوة الشباب والمجتمع الحيوي في استثمار موارده يجب العمل بشكل جدي على تعزيز دور تلك الادوات في دعم الحالة الحقوقية ورصد أي انتهاك في هذا السياق لردع مرتكبيه وتعزيز مبدأ المواطن فاننا نحتاج الى العمل بشكل جدي على النقاط التالي :

  • توفير برامج بناء القدرات لنشطاء الاعلام الجديد و الشباب تحدياً حول مهارات الاستخدام الفعال لتك الشبكات في رصد الانتهاكات وتوثيقها .
  • رقمنة أدوات العمل في مؤسسات المجتمع المدني وخصوصاً المؤسسات الحقوقية لضمان تحديث أدواتها لتوفير الوقت والمال وتعزيز حداثة أدواتها .
  • توفير برامج بناء القدرات حول حرية الرأي والتعبير والقضايا الرقمية لضمان زيادة معارف النشطاء والفاعلين في المجتمع المدني .
  • تمكين المجموعات المحلية من المدافعين عن حقوق الانسان من تقنيات الرصد وتوثيق الانتهاكات من خلال الادوات الرقمية .
  • الضغط من أجل تحسين المنظومة القانونية الفلسطينية المقيدة لحرية حركة النشطاء والاعلامين باستخدام الاعلام الجديد وفي مقدمته قانون الجرائم الالكتورنية .
  • تحديث أدوات الشبكات والمؤسسات الاعلامية والانتقال للاعلام الاجتماعي لمواكبة التطور في عالم الاعلام والعمل بمتطلبات العصر الحالي .